فؤاد ابراهيم
121
الشيعة في السعودية
الأول والكركي والأنصاري والنراقي وكاشف الغطاء واليزدي وصولا إلى الخميني والصدر والشيرازي . لذلك ، وقبل ان يقطع آية اللّه الخميني النسق التاريخي والمذهبي ، برزت إرادتان بصورة عفوية : إرادة العزلة الطوعية لدى عموم الشيعة طوال القرون السابقة التي أبقت عليهم كجماعة مسالمة ومرتهنة لتقلبات الأوضاع المحيطة بهم ، والتي رسمت لهم مسارا ومصيرا في العلاقة مع من حولهم من الفئات الاجتماعية والحكومات . والثانية إرادة التهميش الشامل السياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي ، والفكري على أيدي الأنظمة السياسية ، وتركّزت إرادة التهميش في المملكة لأسباب عدة مذهبية وسياسية وأمنية وقبلية . إن فشل الأنظمة السياسية في تحقيق الاندماج الشامل السياسي والاقتصادي للشيعة ، أدى إلى تكريس حالة العزلة والانطواء ثم عزّزت سياسات التنكيل والتمييز على أساس طائفي من الأفكار الشيعية اللاهوتية كمبدأي الانتظار والتقيّة . على سبيل المثال ، كان الحكم في العراق إبان العهد العثماني خاضعا للأسر السنّية التي تنتمي إلى المذهب الحنفي ، وكان معظم موظفي الحكومة - العراقية - من الأقلية السنيّة ، وكانت تغصّ بهم المدارس والمحاكم وكان منهم المدرّسون والقضاة . وكان شيعة العراق ملزمين بالتحاكم إلى القضاة الأحناف ، وهذا ما أفضى إلى عزوف غالبية الشيعة عن المحاكم الرسمية التي كانت تقضي وفقا لمذهب يخالف مذهبهم في بعض الآراء الفقهية التي تتبناها ، ويعد هذا من أبرز العوامل التي أدت إلى مقاطعة الشيعة للسلطة . وتذكر المصادر التاريخية أن معظم قضاة مدن الولاية في العراق كانوا يمكثون في مناصبهم من دون أن ينظروا في أية قضية إلا في القليل النادر من الأحوال ، ما كان يجبر عليه بعض الناس . وقد نقل عن أحد قضاة مدينة كربلاء أنه مكث في منصبه تسعة أعوام ( لم ينظر في دعوى واحدة ) ، فقد كان فصل الخصومات يجري في العراق وسوريا عند المجتهدين إلا في ما ندر « 40 » .
--> ( 40 ) جميل موسى النجار ، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد ، ( القاهرة ، 1991 ) ، ص 332